الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
293
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
علامة على إرادة الإهانة ، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإهانة لأن اللّه أهان الكافر بعذاب الآخرة ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق . وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام اللّه تعالى الإنسان بقوله : فَأَكْرَمَهُ وبين إبطال ذلك بقوله : كَلَّا لأن الإبطال وارد على ما قصده الإنسان بقوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ أن ما ناله من النعمة علامة على رضى اللّه عنه . فالمعنى : أن لشأن اللّه في معاملته الناس في هذا العالم أسرارا وعللا لا يحاط بها ، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقيسة وهمية ، والاستناد لمألوفات عادية ، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية ، وأن يعرفوا مراد اللّه من وحيه إلى رسله . وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها . وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها . وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها ، ويتوسمون التوسم المستند إلى الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ربي في الموضعين بفتح الياء . وقرأ الباقون بسكونها . وقرأ الجمهور فَقَدَرَ عَلَيْهِ بتخفيف الدال . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الدال . وقرأ نافع : أَكْرَمَنِ ، و أَهانَنِ بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في الوقف . وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف ، وقرأهما ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف . وهو مرسوم في المصحف بدون نون بعد الياءين ولا منافاة بين الرواية واسم المصحف . و كَلَّا ردع عن هذا القول أي ليس ابتلاء اللّه الإنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسببا على إرادة اللّه تكريم الإنسان ولا على إرادته إهانته . وهذا ردع مجمل لم يتعرض القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] بعد قوله : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ [ الفجر : 13 ] . بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ 18 وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا 19 وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا 20